الشيخ محمد رشيد رضا
212
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ما حكم به عليه من القطيعة واجتناب الناس بقول موسى له ( اذهب فان لك في الحياة أن تقول لامساس ) أي : لا أمس أحدا ولا يمسني أحد ، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ أي ومثل هذا الجزاء في الدنيا نجزي المفترين على اللّه تعالى في أزمنة الأنبياء أو في كل زمان إذا فضحوا بظهور افترائهم كما فضح هؤلاء ، وجعله بعض مفسري السلف خاصا بافتراء البدع ، قال الحسن البصري ان ذل البدعة على أكتافهم وان هملجت بهم البغال وطقطقت بهم البراذين ، وهكذا روى أيوب عن أبي قلابة أنه قرأ هذه الآية ( وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ) وقال هي واللّه لكل مفتر إلى يوم القيامة ، وقال سفيان ابن عيينة كل صاحب بدعة ذليل . نقل ذلك ابن كثير في تفسيره ، وهو مشروط بكون افتراء الابتداع في أزمنة الرسل عليهم السّلام على ما قيدناه به لان اللّه تعالى كفل لهم النصر ، أو في دار الاسلام والعدل التي تقام فيها السنة ، وأما البدعة في دار الكفر أو دار الظلم والبدع والفسق والظلم فهي كظلة من الدخان أو فزعة من السحاب تحدث في حندس ليلة مطبقة السحاب ، حالكة الإهاب ، لا تكاد تظهر ، فيكون لأصحابها احتقار يذكر ؛ والوجه الثاني ان هذا كلام معترض في القصة خاطب اللّه به خاتم رسله لانذار اليهود المجاورين له في المدينة ما سيكون من سوء عاقبتهم في افترائهم على اللّه وعداوتهم لرسوله ، وانكارهم ما في كتبهم من البشارة به ، ووصفهم باتخاذ العجل لشبههم بهم وكونهم خلفا لهم في افتراء كل منهما على اللّه في عهد ظهور حجته على لسان رسوله . كما عيرهم في آيات أخرى بقتل النبيين بغير الحق وغير ذلك من جرائم سلفهم . وروي هذا الوجه عن عطية العوفي قال المراد سينال أولاد الذين عبدوا العجل وهم الذين كانوا على عهد رسول اللّه ( ص ) وأريد بالغضب والذلة ما أصاب بني النضير وقريظة من القتل والجلاء أو ما أصابهم من ذلك ومن ضرب الجزية عليهم اه وتوجيهنا أظهر . قال الزمخشري ويجوز ان يتعلق « في الحياة الدنيا » بالذلة وحدها ويراد سينالهم غضب في الآخرة وذلة في الحياة الدنيا ( وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤا بغضب من اللّه ) اه وأقول إن لم يكن هذا هو المراد فعذاب الآخرة مقدر في الكلام دل عليه ذكر الدنيا ، على ما علم من اطراده بنصوص أخرى . * * * وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ هذه الآية في حكم من تاب وقبلت توبته فدل على أن ما سبقها هو